البطالة وقود الحرب!

محمد فـائـد البـكري

 ليس صحيحا أن المستفيدين من الحرب هم تجار الحروب فقط، أو شركات صناعة السلاح وأصحاب المشاريع الصغيرة والرعاة الدوليين والإقليميين لماكينة الصراع! 
وليس صحيحا أن تمرّس اليمنيين على الحرب وتاريخهم الغارق في البارود والدم سهَل الانجرار إلى الحرب! 
وليس صحيحا أن ضعف التعليم يقف وراء تدني الوعي وبالمحصلة أدى ذلك إلى عدم التمييز بين معنى الحرب دفاعا عن الوطن، والحرب دفاعا عن الحمقى!
وليس صحيحا أن الدافع الأقوى للحرب ملتبس بالفهم الخاطئ للدين وما فيه من منطوقات تحث على الحرب باسم الجهاد.
وليس صحيحا أن كل ما يحدث بسبب الفساد والإفساد الذي مورس من قبل السلطة التي حكمت لعقود من الزمن وتغولت واستبدت ونخرت المجتمع وهيأته للتشرذم والتشظي.
وليس صحيحا أن توّفر ملايين القطع من السلاح جعل عقيدة البارود حاضرة في أي خلاف وأي تسوية! 
وليس صحيحاً أن اليمني بحكم تنشئته وقوة ثقافة المكان مولعٌ بالحرب وسريعٌ إلى داعي الشر! 
وليس صحيحا تماماً أن لدى طرفٍ من أطراف الحرب قدرة خارقة على التضليل وغسل الأدمغة وسوق المغرر بهم إلى المهالك وخنادق الموت! 
فوراء كل تلك العوامل مجتمعة على تفاوتها وتعاضدها؛ عامل آخر يعمل من ورائها جميعا، ولعله أهمها وأقواها وأكثرها تمكيناً لدوافع الانخراط في الحرب واستمرارها.
بل ولعله أكثرها دلالة على أن اليمنيين منذ زمن بعيد لم يعودوا معنيين بفهم أسباب الحرب أو التفريق بين حرب الدفاع عن النفس وحرب العدوان، أو ما يسمى بالحرب العادلة والحرب الظالمة.
ولم يعودوا معنيين بالموازنة بين لزوم الحياد اتقاء الفتنة واستبراء من سفك الدماء وبين لزوم الاشتراك في القتال بمبررات أخرى.
إن هذا العامل هو البطالة التي جعلت الحرب خيارا أمثل لكثيرين؛ فاليمنيون يتدافعون إلى الحرب لطول انعدام الأمل جيلا وراء جيل.
ونتيجة لضياع المشروع الوطني الذي يعيد بناء الحياة ويغيِّر معادلة الصراع من أجل البقاء صار الذاهب إلى الحرب لا يستشعر حرجاً من أن يكون قاتلا أو مقتولا!  
ولذلك علينا أن ندرك أن الحرب الدائرة بكل ما تلبسته من لبوس وأقنعة وكل ما تعلنه من وذرائع ودوافع ومبررات وما رفعته من شعارات ليست إلا تجلياً من تجليات غياب الدولة الضامنة التي تكفل لمواطنيها حياة كريمة، 
فمع غياب دولة المواطنة تغيب العدالة الاجتماعية والمساواة وبالنتيجة تنمو البطالة ومنها تولد كل الحروب، وكلما كانت هناك بطالة وافرة وشاملة كانت أسباب الحرب متوفرة، وغدا ميعاد انفجارها قاب قوسين أو أدنى.
وكلما لم يجد الناس حياة تجعلهم يستشعرون أهمية السلم فيدافعون عنه بوسائل تكفل تنميته وحمايته واجتثاث كل المعوقات أمام استمراره.
 
وكان هناك مستفيدون منها غير أمراء الحرب. 
مستفيدون تضطرهم الحياة للمقارنة بين سيءٍ وأسوأ، بين موتٍ بطيء محقق تموت فيه أحلامهم وكرامتهم الإنسانية وقيمهم العليا، وموتٍ محتمل غالباً ما يتم التبرير له بالدفاع عن معتقد أو حلم أو وهم أو قضية! 
 وهذا الموت يستحق المغامرة وهو في كل الأحوال- سواءٌ كان تغطيةً لرغبة في الانتحار أو حاجةً إلى الخلاص- يبدو أقل مهانةً وكلفةً من قلة الحيلة وضيق الحال و الهوان على الناس! 
 
قطاعٌ واسعٌ من المجتمع اليمني يذهب إلى الحرب لا حباً فيها ولا تصديقاً لسماسرتها والمتعهدين لها، وإنما هرباً من مرارة العيش وضياع الحلم وفقدان القيمة في المجتمع، وهؤلاء يندفعون للحرب أو يدفعون لها- لا فرق- بقوة الجوع والخوف من الغد لانعدام فرص الحياة!
  ولكم سمعنا من آباء يدفعون بأبنائهم لعلهم يجدون فرصةً للعيش، أو يتزينون بلقب شهيد أو بطل، وفي سياق الثقافة التقليدية يصبح ذلك اللقب أكرم كثيرا من لقب عاطل عن العمل!  
 
بين أن تموت بالتقسيط يوما بيوم حسرةً وكمداً وضيق يد وبين أن تغامر بحياتك فتموت سريعا أو تحقق نجاحا، قد تبدو المقارنة فقط بين السيء والأسوأ؛
وهي أقرب لسيكولوجية الإنسان المقهور المهدور، الإنسان الذي يجد نفسه بين الموت جوعاً أو محاولة النجاة من الموت الرتيب باقتحام الموت وفرضه على الذات وعلى الآخرين، واقتحام الموت هنا يساوي الرغبة في الخلاص! 
ولكم سمعنا من قصص مأساوية عن الذين كانوا يحاربون نهارا مع الجمهورية وليلا مع الملكية ليجدوا ما يقتاتون به، وظل ولاؤهم للحرب راسخاً.
وإن تذبذت قناعاتهم وتأرجحت بين من يدفع اليوم ومن يدفع غدا. فليس يعنيهم من ينتصر أو ينهزم، المهم أن تنتصر الحرب وأن تستمر؛ ليستمر معنىً ما لحياتهم التي يقامرون بها!  
ولأن الظروف لم تتغير ولم يحدث ما يجعل الإنسان اليمني حراً من سلطة الحاجة، ولم يحدث ما يجعل خيار السلام مغريا؛ فستستمر الحرب وسيستمر التبرير لها، وسيستمر أولئك الذين ليس لديهم ما يخسرونه في الذهاب إلى الحرب ولسان حالهم، ما قاله الشاعر امرؤ القيس: "نحاول عيشاً أو نموت فنعذرا".
وليست تلك قراءة متشائمة إنها محاولة لفهم ما يحدث لعلنا نستطيع أن نستدرك وأن نتدارك ولعل من يزعمون حب الشعب اليمني أن يلتفتوا إلى حيث يجب الالتفات، بدلا من أن يلقوا للنار الحطب! 
ملايين الدولارات أهدرت في صراع إرادات عقيمة، في حين أن العناية بتنمية الحياة كفيلة بأن تجبر حامل السلاح على أن يرى حجم مأساته ويبادرإلى إلقاء البندقية وإطلاق طاقته فيما يعود بالنفع عليه وعلى شركائه في الوطن وعلى مستقبل أبنائه، وحينها لن تجد شهوة السلطة ما تتذرع به، ولن تجد طبول الحرب من يقرعها باتجاه الداخل أو باتجاه الجوار.

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي