سبحان الله كم نحن مرضى!

محمد فـائـد البـكري

 سبحان الله كم نحن مرضى!

محمد فائد البكري
 


" وزير المالية البريطاني ووزيرة الداخلية بريطانيان من أصول هندية بعد إصابة رئيس الوزراء البريطاني، هما اللذان يديران بريطانيا العظمى سبحان الله بعد ٧٣ سنة على الاحتلال البريطاني للهند. الهنود الإنجليز يعودون كمواطنين إنجليز لحكم بريطانيا. وتلك الآيام ندوالها بين الناس"
هكذا ورد الخبر الذي تداولته مجموعات في الواتس آب تحت عنوان سبحان الله والله أكبر. مرفقا بصورة للوزير والوزيرة، ومثل هذا الخبر يدغدغ عواطف كثيرين. وكأنما في الأمر معجزة إلهية!

يا للعجب! مثل هذا الخبر يستخف بالمتلقي ويسطح القضية ويوظفها في غير سياقها؛ فتسبيح الله وتنزيهه لا علاقة له بهكذا أمر. 
والوزير والوزيرة البريطانيان بفضل المؤسسية واحترام القانون يديران بريطانيا في هذا الظرف-  على افتراض أن الخبر صحيح - تنفيذا للقانون. ومن موقع المنصب الذي يشغلانه بوصفهما مواطنين بريطانيين وليس لأن أصولهما هندية.


 وهما يعرفان تماما أنهما مواطنان بريطانيان على قدم المساواة مع كل مواطن يحمل الجنسية البريطانية، ويعملان من خلال مؤسسة بريطانية لصالح الشعب البريطاني.
   ويتحملان المسؤولية وفق القانون البريطاني وعليهما رقابة من مؤسسات بريطانية. وليس في عملهما أي اعتبار لغير ذلك. ولاريب أنهما لم يخططا للعمل في السياسة لأخذ ثأر الهند من التاريخ البريطاني الاستعماري!
  فما الداعي لإقحام جلال الله في هذا الأمر؟! 
   وما معنى اختزال الحدث و التلاعب به عاطفيا وتملق مشاعر دينية ساذجة؟!
أليس في ذلك دلالة على مدى شعورنا بالدونية وبحثنا المتهافت عن أي شيء لنبني عليه انتصارات مزيفة ونعبر من خلاله عن عنصرية وغرائز رخيصة وعصبوية كامنة!

مثل هذا أيضا حين فرح كثيرون بصعود آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء في دولة أثيوبيا، ورأوا في ذلك نصرا للإسلام؛ لأن الرجل بزعمهم مسلم متدين، وبصرف النظر عن كونه مسلما أم لا، تجاهل هؤلاء أن دولة المواطنة هي التي أتاحت للرجل عبر آلية الديموقراطية المتوفرة على الشفافية أن يصل إلى المنصب.  
ولم يلفت نظرهم أن هناك دولة قانون تضمن تكافؤ الفرص لكل المواطنين؟!


ولم يخطر على بالهم أن الرجل صعد بكفاءته ومثابرته ولم يفكر بكونه مسلما، وناخبوه لم يفكروا بكونه مسلما من عدمه وإنما نظروا في برنامجه وعلى أساس ذلك تم انتخابه وحقق الفوز على منافسيه.

 وعلى أساس ذلك أيضا ستتم محاسبته ومراقبته وربما يخسر المنصب وتسحب منه الثقة برلمانيا أو انتخابيا إذا خالف القانون أو أخل بمهام منصبه، وربما يلجأ حزبه الذي رشحه إلى محاسبته وإقالته.

   تشبه هذه القصة أيضا فرح كثير من اليمنيين بفوز بريطاني لقبه الخليدي بمنصب في بلدية لندن، وكأنما فاز بالمنصب لكون جذوره يمنية لا لكونه مواطنا بريطانيا!

   وقريب من ذلك فرحنا بفوز ألماني اسمه علي الوزير بمنصب سياسي في إحدى المقاطعات أو الولايات الألمانية.
 وتحدثنا كثيرا عن أصوله اليمنية وافتخرنا بذلك دون موجب للفخر؛ 
فالرجل يحمل الجنسية الألمانية وبجهده ومثابرته وكفاءته ومن خلال المؤسسة الألمانية فاز بمنصب سياسي وفق القانون الألماني.

والمنصب هناك مسؤولية وليس وجاهة اجتماعية. بل و لن يتيح له منصبه هذا أن يفخر أو يعلو في الأرض ولا أن يسرق شيئا من المال العام، كما لن يتيح له أن يستخدم المحسوبية ليوظف أي قريب!

  ومثل ذلك أيضا فرح كثيرون بفوز بريطاني من أبوين مسلمين من أصول إيرانية بمنصب رئيس بلدية لندن. وتحدث العصابيون المتعصبون للإسلام عن كونه مسلما. وتجاهلوا أن ذلك يفترض أن يشعرنا بالخزي لكوننا ليس في دولنا ذلك التقدير للإنسان!

وقريب من هذا أيضا تلك الفرحة بفوز رجل مسلم بمنصب رئيس شرطة إحدى الولايات الامريكية وتأديته للقسم على القرآن.

 وقد تداولنا ذلك ورأينا فيه نصرا مؤزرا للإسلام، وتجاهلنا أن حقيقة ما حدث دال على دولة المواطنة التي تمنح فرصا متكافئة وتحترم حرية المعتقد وتنظر للإنسان من حيث كفاءته في العمل واحترامه للقانون، فالرجل تحمل المسؤولية بقوة القانون، ولم يسطو عليه بقوة السلاح!


   وهكذا نبحث عن فخر غير مستحق ونزهو بما ليس لنا، ولا نعترف بأن نجاح إنسان هنا أو هناك لا علاقة له بالدين. كما يؤكد أن بلداننا التي تقحم الدين في كل صغيرة وكبيرة لم تستطع أن تنهض وأهدرت قيمة الإنسان فيها، ويؤكد ذلك أيضا أننا بحاجة إلى أن ندرس أسباب عجزنا، وأن نقر بأهمية أن تكون هناك دولة مواطنة متساوية ضامنة للحقوق والحريات وتكافؤ الفرص ومتوفرة على عدالة اجتماعية وتعليم نوعي ومؤسسات مؤهلة!

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي