صناعة الوهم

كهلان الشجاع

موجة العولمة التي حولت العالم إلى قطعة شطرنج و ألغت الحدود والمسافات الجغرافية، من ضمن ما أفرزته كنتاج لهذا الإنتشار الواسع والعميق في المجتمعات.. أنتجت ما يمكن أن نسميه عصر السلعة بإمتياز... لا يقتصر الأمر على تسيد الثقافة الرأسمالية والمادية في العالم بل يتعدى ذلك بكثير 

الإستهلاك بحد ذاته  أصبح سلعة يتم بيعها وتسويقها، فلسفة السوق تغيرت لم تعد مقتصرة على البيع والشراء أصبح السوق نظام متكامل و خليط من التكنولوجيا والإعلام الموجه، لم يعد هناك حدود للبيع والشراء، أصبح الكل يشتري ويبيع ويستهلك،

فلسفة الإستهلاك يتم تحويلها عبر التلفاز وشبكة الانترنت والوسائط الحديثة إلى نمط حياة عصري نموذجي يفترض بالجميع أن يقتدوا به و يعيشون حياتهم وفق حيثياته ومسلماته وتكاليفه بل وحتى مساوئه 

السلعة سيدة العالم، القطب الأحادي لم يعد دولة أو كيانا عسكريا، القطب الأحادي هو السلعة، والسلعة وفق مسلمات العولمة التي نعيش نتائجها اليوم هي كل شيء، بمعنى أن كل الأشياء المادية والغير مادية هي سلعة يمكن تسويقها واستثمارها والربح من وراءها،  من هنا أصبح الإتجار بالبشر ظاهرة وتفشت ظاهرة الإتجار بالأعضاء البشرية ليصبح الإنسان نفسه ضحية لهذه الموجة العولمية الكاسحة التي تهدف إلى تسليع كل شيء. 

وفقا لفلسفة التسليع و تطورات السوق، نشأت مفاهيم وأطر تسليعية في مجال الثقافة والنتاج الأدبي والفكري، وهي الموجة الأحدث والأخطر للعولمة كونها حولت القيم والأفكار والنتاجات الأدبية إلى سلعة، لا أتحدث هنا عن الحقوق الفكرية لأصحاب النتاجات أو المنتوج اللامادي،  ولكن وفقا لشروط السوق أصبح الإنتاج اللامادي أو الأدبي والفكري سلعة شأنه شأن البترول مثلا أو ماركة الأحذية أو الملابس وبالتالي أصبح رائجا ومطلوبا مما يستدعي وفقا لشروط السوق نفسها التدافع نحو إنتاج هذه السلعة،كونها رائجة وبالتالي فإنها ستخضع لشروط ومحددات العرض والطلب، هذا التدافع نحو المنتوج الأدبي سواء بهدف التلقي والإستهلاك أو بهدف الإنتاج والتسويق، يتنافى تماما مع الأدب أو الثقافة كجهد فكري لامادي يعبر عن الإنسان في كينونته الخالصة كإنسان، 

ولأن السوق أصبح افتراضيا عبر الوسائط الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي فقد تكاثر عرض السلعة الثقافوية بشكل غير مسبوق وبصورة مبتذلة جردت الثقافة من قيمتها وكينونتها و حولتها إلى سلعة قابلة للمزايدة ويتم تكييفها وفقا لمحددات السوق و تحت هيمنة من سيدفع أكثر. 

في البلاد العربية و خصوصا في اليمن اتخذت مواقع التواصل الاجتماعي طابعا آخر، وفقا لشروط السوق المعولم فإن العلاقات الافتراضية في وسائل التواصل أصبحت تمثل رأس مال اجتماعي وبما أن الأدب والثقافة أصبحت جزءاً من السوق فقد ازدادت موجة التدافع نحو هذه السلعة /الحرفة كونها ترفع رصيد البورصة الاجتماعي و تعزز من المكانة الاجتماعية في مجتمع يشهد حربا غير واضحة المعالم منذ سبع سنوات، 

البعض يفسر هذا الكم الهائل من الإنتاج الأدبي نوعا من الثورة أو الوعي او مؤشر لنهضة ثقافية غير مدركين لحقيقة هذا النتاج كونه يدور في نفس الحلقة المفرغة ويكرر نفس الأساليب والأدوات بصورة تبعث على الشفقة 

هذا التدافع انتج مؤسسات ثقافية هلامية افتراضية اكثر منها واقعية،اصبحت هذه المؤسسات هي الراعي الرسمي لصناعة الوهم وتزييف الوعي. 

و كنتاج لهذه الصناعة تشكلت طبقة زئبقية من المثقفين الذين يعززون هذه الحالة ويمنحون صكوك الثقافة والأدب لكل من كتب عشرة أسطر كتعبير مدرسي،  وظهرت بالموازاة جموع تدعي الثقافة ولا تمتلك ادنى شروطها أو أدواتها 

عززت  هذه الحالة الوهمية، حالة البلد المتشظية والتي تدفع الشباب لتحويل  أحلامهم التي أحبطتها الحرب نحو الثقافة والأدب وبالتالي تضاعفت مؤشرات البطالة وأصبحت الثقافة مهنة ففلان يشتغل شاعر وآخر يمتهن الرواية وهكذا تتوسع ثقافة الوهم وأدب البطالة والأدهى أن هذا التجريف يتحول إلى إنجاز، فكل من يبحث عن تقديرا لذاته ورصيدا من الإنجازات في سيرته الشخصية يلجأ لإصدار كتاب،  وبذلك اكتظت الساحة باصدارات غير مبررة سوى أن اصحابها يملكون ثمن طباعتها ويحلمون باصدار كتاب بغض النظر عن المحتوى. 

هذا التجريف الخطير للمفاهيم و للشروط الفنية للكتابة والإنتاج الأدبي يتوسع كل يوم بشكل أكبر و توفر له موجة العولمة والموجة الثالثة ظروف التوسع والإنتشار في ظل إنهيار النظام التعليمي في البلد و غياب الوعي الحقيقي. 

في المجمل سنجد أنفسنا محاصرين في يوم ما بجموع غوغاثقافية تكرس الوعي الهلامي والوهم السائد وتنتج جيلا من الواهمين الذين سيكونون أشد خطرا على الوعي والثقافة. 

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي