قضية الأغبري : تأملان حول المرأة.

زبن الله القامص

 قضية الأغبري : تأملان حول المرأة.


* زبن الله القامص


 
يحيا المجتمع اليمني اليوم لحظةً نشوى بعد إعدام القتلة المباشرين لعبد الله الأغبري؛ فقد تم أخيرا إلحاق العقوبة "المستحقة" بهؤلاء،  والذي كان فعلهم استفزازا لأعمق مشاعر الاستياء والسخط. لقد هزت فعلتهم ضميرنا الاجتماعي بلا استثناء. 

إلا أن المحتم، على صعيد التفكير، إعادة الكشف في الأسباب التي انتهت إلى هذا كله. لقد حان دور الفكر ليقول شيئا، بعد انتهاء دور القانون. 
 سأجمل الكلام في تأملين اثنين، وهما متركزان على معنى المرأة اليمنية تحديدا، أي عن صورتها في المتخيل الاجتماعي الخاص بنا.  تحضر المرأة في هذا السياق لأن الجريمة (قتل الأغبري) تمت في سيقاها  :

الأول : المرأة شهوة :  نحن نتاج مُتَخيَّل ديني رسّم المرأة ترسيما متعويا خالصا؛ ابتداءً من النص الديني الأول وليس انتهاءً بتدخلات السلطة القائمة في اتخاذ اجراءات عملية صارمة لعزل الجنسين. 
تؤكد النصوص الدينية المؤسسة أن المرأة "زينة" و"متاع" و"حرث"و" فتنة "و" شهوة "، ووفق هذا التحديد لا تصلح إلا زوجة و"ولود"؛ لأن المتعة خارج إطار الإنجاب ممقوتة ومستهجنة، فالرسول يمنع أسامة بن زيد أن يتزوج امرأة عاقرا كان قد خطبها، وشيوخ الإسلام في جدال قديم جديد حول العزل أو التنظيم بتعبيرنا المعاصر. 
أما الرغبة في عدم الإنجاب البتّة فهذه إرادة محرمة بالإجماع. (والإجماع واحدة من السلطات العاتية والمهيمنة في الإسلام ). 
 لايخفى على أحد أن الإنجاب يضعف المرأة ويقلل من أنوثتها ويشغلها عن نفسها ومفاتنها. يصبح كل وقتها لأبنائها، من هنا نفهم التعويض الإسلامي لهذه الخسارة الماحقة للمرأة، بحيث رفع الأم إلى مصاف جليل؛ بأن جعل "الجنة تحت أقدام الأمهات "ومهما كان هذا الأثر مشكوكا في نسبته الى الرسول إلا أنه نشيط وفاعل على صعيد المتخيل الاجتماعي. ومن هنا أهمية طاعة الأم بوصفها تذكرة لدخول الجنة، ولولا هذه المنفعة الأخروية لقذفنا بها إلى الخارج، لأننا لم نتعود بعد على أخلاق الواجب كما ضبطها كانط، أي تلك التي لاتروم أجرا ولاثوابا سواءً كان أجرا دنيويا أو دينيا. 

التأكيد الديني على الإنجاب يهدف إلى تكثير المؤمنين بالله، وإلى قتل الأنثى في المرأة، وهذه غاية الأديان الإبراهيمية عامة. ماهو جديد في الإسلام، إضافة الى الهدفين العامين: هو رغبة الرسول في التفاخر بنا يوم البعث، " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" لأنه سيأتي، في ذلك اليوم "النبي(من الأمم السابقة) ومعه الرهط والرهطان "ويأتي نبينا بالميليارات من أتباعه، كإحراج مهين لزملائه الأنبياء الذين فشلوا في مهمتهم! 
الرسول،  هنا،  يفصح إفصاحا أمينا عن ذهنية القبيلة العربية  واعتدادها بالكثرة من الرجال،  فنحن نلحظ، بسوهلة، أن خطاب الإسلام يتوجه إليهم دون النساء ، وهذا ما لاحظته، قبلنا،  أم سلمة زوج النبي. 
أمّا حضور النساء في النص الديني ، كمخاطَب،  فليس سوى إلحاق باهت، تحت إلحاح أم سلمة، ومعظمه ترشيد في بناء نموذج المرأة المطيعة لزوجها "لو كنت آمراً أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".
 تبقى إشارة أخيرة وهي : أن نصوص الحث على الإنجاب جاءت متأخرة ولعل السبب في ذلك يكمن وراء رغبة الرسول الجامحة في إنجاب ولدا ذكرا، ولأنه لم يحدث فقد تمت عملية إبدال تخيلية : فالأتباع هم بمثابة الأبناء، بل أكثر من ذلك. 
والمرأة في السياق الديني تظل شهوةً حتى في عالم الآخرة المتخيل، فهي من ضمن النعيم الذي يُقدَّم للمؤمن (( إن للمتقين مفازا، حدائق وأعنابا،وكواعب (فتيات ناهدات)أترابا، وكأسا دهاقا ))، إنها شيء من عداد الأشياء وليست إنسانا. 

بعد أن تحددت المرأة واختُزِلَت إلى مجرد ((لذة))، جاءت الأوامر الضابطة والمنظمة لها : الاحتجاب،  وعدم مخالطة الرجال،  والالتزام بملابس ساترة تماما، والتقيد بطريقة تلفظ معينة مع غير المحارم والتي لاتحدث إلا عند الضرورة. لماذا؟ لأنها ، ببساطة واضحة ، سوف تصرف الرجال عن عبادة الله( تنضوي كل أعمال المؤمن ضمن العبادة بمافيها أعماله الدنيوية، ولهذا فالحياة ليست مرغوبة إلا باعتبارها مسرح الله لتأهيل عباده نحو الآخرة "والآخرة خير وأبقى ")، و لأنها (المرأة) سوف تمكنهم من اللذة دون تكاثر. ليس سوى الزواج مصير لها، ليس سوى أن تصير أُمّاً، وإلا فلن تتحرر من إسار صورتها : لذة. 
مع توارث هذا التحديد الديني للمرأة، أصبحنا لا ننظر إليها إلا بوصفها كذلك؛ لهذا سينشط مخيال القبيلة ليجهز عليها كليا تحت دعوى الشرف، وهذا موضوع التأمل التالي. 

الثاني : المرأة شرف القبيلة : لعل هذا النمط من التصور يعود إلى المجتمعات  القديمة الأولى والتي ترفع المرأة إلى مستوى الرمز، وكل رمز هو مقدس بالضرورة. لكن لايغيب عن بالنا أن هذا التقديس ليس مبعثه الإجلال والمهابة، بل الخوف من اقتراف المحرم (بالمعنى الطقسي البدائي)؛ فالمرأة تمثل الرحم الذي خرجت منه القبيلة وبالتالي هي محرمة لا بوصفها أُمّاً، بل بوصفها استعارة حية لجسد القبيلة. فحين تُغتصب امرأة يكون المعنى الرمزي هو اغتصاب القبيلة كلها. وإذن فغضب القبيلة هو غضب على أنه تم اغتصابها وليس اغتصاب تلك المرأة، ولابد من الثأر. 
لكن لاتنتهي المسألة عند هذا الحد ، فقد يقول معترض : تلك نجدة أخلاقية. فما نلاحظه هو أن الاستعارة (المرأة هي تجسيد لشرف القبيلة ) تواصل نشاطها في هذه الحالة أيضا :  إن امرأة تمارس اللذة خارج إطار الزواج ليس إلا تأكيد آخر على انتهاك شرف القبيلة . أي أن ذلك الشخص قد نكح القبيلة كلها.( لاسيما أن لغتنا تتوفر على حشد كبير من الكلمات الدالة على الجماع وكلها معاني تحمل العنف: وطء - طعن - دحم -وقع -... الخ . اللغة تحكم القبيلة )
لا غرابة إذن حين نشهد استنفار قبيلة لمطاردة ابنتها لأنها هربت مع حبيب لها،  أو حملت بلا زواج، او اتضحت علاقتها الغرامية بأحدهم. لا نتعجب حين تقتلها دهسا بالسيارات( سيارات القبيلة كلها، ولاتخفى دلالة ذلك) أو ذبحا بـ (الجنبية )؛  نعم الجنبية وليس السكين؛ لأن الأولى تمثل الحامي لهذا الشرف الذي خذلهم، إذن لابد من ارتدادها عليه. 
تقول أغنية عن راعية عاشقة : (والله يا راعيه لاقل لابوش ### لاقل لابوش يذبحش بالجنبية). 
ذلك أحد تجليات المتخيل القبلي مُنفَّذاً. 

بعد انتعاش الخطاب الإسلامي، في بلادنا،  في صورته السلفية والإخوانية فترة الثمانينيات حتى الآن ، مع دخول خطاب السلطة القائمة حاليا( وهي وفية  للخطاب السلفي عموما)  بعد هذا الانتعاش تعاضد المتخيل الديني حول المرأة (شهوة) مع المتخيل القبلي (شرف )، ليكوّنا معاً صورة متوترة للمرأة. يحرص على تأزمها المتخيلُ الاجتماعي الحاضن للمتخيلين: الديني والقبلي. 

لقد تضاعفت التبعات بلا شك، وليس غير المرأة من يحمل ذلك العبء كله. إنها تعمل بحرص على حجب نفسها وانكماشها، إنها لاتفتأ تلغي ذاتها. إنها ضحية القيم التي رسخها متخيلنا الاجتماعي. 
 فعندما تريد أن تفرح بصور لها على شاشة هاتفها الخاص (هذا إن ظفرت به) فإنها تظل في رهاب مَرَضي من إمكانية خروج هذه الصور إلى أحد؛  لأنها تدرك يقينا أن لا أحد سيتفهم رغبتها في التقاط صور مختلفة لوجهها وجسدها، سوف تُتّهَم في شرفها الملتحم بشرف القبيلة،  وسوف تُرجَم لأن منظومة القيم التي بحوزتنا تقف في وجهها، المتخيل الاجتماعي (كما يحدده تايلر في كتابه المتخيلات الاجتماعية ) يقف مُدِينا لها، وإذن ليس سوى الرضوخ لهذا الأحد المبتز لأنه لايراها إلا شهوة فقط،  لأنه أحد أبطال المتخيل الاجتماعي. على الشق الأول من المتخيل  أن يبتزها ويلتذ بها وعلى الشق الآخر أن يسحقها ويقلتها.  

إذن فمن قتل الأغبري على الحقيقة؟  أليس قتْلُه  تداعيا لفساد المنظومة الأخلاقية التي تشل حياتنا كلها ؟  أليس متخيلنا الاجتماعي هو القاتل الخفي، وهو الذي لا يزال نشطا بقيمه العنيفة والمدمرة لنا جميعا وللمرأة بوجه أخص؟ 
إن إعدام الجناة المباشرين ليس أكثر من تهدئة لمزاجنا العام. 
إن حالات الابتزاز لن تنتهي أو تتخفف ما لم تكن هناك معالجات نقدية و جذرية لهذه الترسيمات الأخلاقية التي تمحونا بلا رحمة. 
لسنا أفرادا وإنما رعايا في خدمة الأقدمين وتعسفاتهم، في مواصلة تعاليمهم بذلٍّ وخنوع.
 نحن لا وجود لنا.

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي