جار الله عمر والإفلاس السياسي.

عبد ربه الشجاع

 جار الله عمر والإفلاس السياسي. 


* عبد ربه الشجاع



في محاولات لا تنتهي لترقيع الواقع المتهالك للحركات والمكونات السياسية في اليمن، تلجأ جميع المكونات لاستهلاك مواضيع متكررة وقضايا رأي عام تحاول من خلالها تغطية الصدأ المتغلل في البنية التكوينية لهذه التكوينات ومشاريعها السياسية، جاعلة من إعادة إحياء الموتى طريقة لبعث جنود الزومبي بهيئة رمزية تتغلف وتغلف بها خطاباتها الجماهيرية، وتعمد من خلالها على تضييق الرؤى السياسية المنعدمة أساسا لتحويلها لقضايا رأي عام تشغل قواعدها المجتمعية عن تقديم حلول ونماذج ملموسة لسياساتها العامة، إذ تبتعد جملة المكونات عن نمذجة مشروع الدولة داخل مشاريعها السياسية بما يناسب الآنية والمكانية للمجتمع اليمني ومقوماته، فالأحزاب والمكونات المعارضة لا تمتلك سوى مشروع المعارضة والإعتراض برفع الأيدي ببرلمان مفرغ من صلاحياته، ومكونات حاكمة لا تفهم سوى كيف تحرك منشآت إدارية كتحصيل حاصل للوائح متعارف عليها جامدة بتغير وجوه المسيرين لها، لتظل حالة التخبط قائمة في دعامات دولة متهالكة المفاصل واقعا ورؤية. 

باختلاف توجهاتها تبني مختلف التكوينات رؤاها ومشاريعها على خطابات شعبوية فارغة مرتكزة على السجع اللغوي والصوت العالي وتهييج العاطفة المجتمعية حول رمزيات أديولوجية؛ تصنع لها موطئ قدم في أحاديث مجالس القات، فحتى تأثير هذه القواعد سلب دوره باعتبار المراحل المختلفة آخرها الإرتهان لتوجهات سياسية لدول مختلفة تحرك مختلف المكونات، فمن جهة تعمد التكوينات الإسلامية والمتطرفة منها للرمزية الدينية، والمكونات الوسطية للمقارنات الفارغة للعصور الحجرية، ويعمد اليمين لرمزية عرقية تنبش من كتب التاريخ، ويتجه اليسار لخطاب مبني على عقديات تخلى عنها أصحابها ليعلن بوريس يلتسن منذ ثلاثة عقود انتهائها، وفي حين تجدد كل المكونات خطاباتها وفق للرموز الوطنية والدينية المصطنعة لم يكن اليسار بمختلف عنها في تشكيل وبلورة مفهوم الرمزية وخطاباتها العاطفية المتبوعة في عقلية قواعده التي تتحول مع الوقت لعقائد قد تتجاوز تلك المستندة عليها الرمزية الدينية والقومية تاركة تساؤلا عريضا هل ما يحدث ناتجا عن عقلية مجتمعية تحددها إطارات رمزية مهما ابتعدت عنها؟ أم هي تخبطات سياسية لأيدلوجيا انقطعت عن جذورها فتحاول إعادة تشكيل جذور أشبه للتكاثر النباتي بالتطعيم  جاعلة من تأصيل الرمزية جذرا جديدا بعيدا عن الخطاب الليليني؟ وتبقى الفجوة الكبيرة من تحولها لعقيدة تأصيلية ستكون بحد ذاتها نفيا تاما للتوجه اليساري وما يبنى عليه. 

إن الإفلاس السياسي لمختلف المكونات ظهر جليا في أول اختبار حقيقي لقوى المعارضة في تبعات أحداث ثورة فبراير لتجد القوى السياسية نفسها باختبار حقيقي لتلك الخطابات التي صدعت الحناجر بمشاريعها ورؤاها،  ليكون الواقع مختلفا تماما يظهر إفلاسا سياسيا ليس فحسب على مستوى الرؤى وإنما  على مستوى الهياكل التنظيمية للأحزاب نفسها، إفلاس دفع بها للقبول بأنصاف أنصاف الحلول التي تظهر تغلب مفهوم الفردية لتكوينات يتسيدها شلليات وفرديات بنت جماهيريتها على خطابات مفرغة سعيا لمناصب سياسية لم تألو جهدا عند توفر أدنى فرصة بالقبول بها رامية بكل أيديولوجياتها وقواعدها لتحترق مكونات كاملة في رهان يعلم الجميع بفشله مسبقا غير أنه يحقق مصالح معينة لشخصيات مختلفة أحرقت نفسها ومن تمثلهم ولا يستبعد أن تتحول لشخصيات أسطورية مع مرور الوقت. 

كل هذا يدفع للتساؤل أين تذهب مسودات العمل للرؤى المختلفة التي تتغنى بها الأطراف والتي يحملها من تحولوا لرموز توقف الزمن عندهم، لتتحول الأحزاب من تكوينات يفترض بها القدرة على قيادة الدولة وحمل مشاريع ورؤى تقدم للعيان، إلى وكالات نعي ورثاء جاهلي،  والغريب في الأمر أن تتحول الرؤى الوطنية لمجسمات بشرية محسوسة تدفن وتتحول لمراكز لتأبين الوطن والوطنية يتشدق بها كل جانب بآلته الخاصة.  

اليوم وبعد ثمانية عشر عاما لرحيل الشهيد جار الله عمر -رحمه الله-وضعت الأحزاب المفترض بها تطبيق مشروعه الملحن في أكثر من اختبار حقيقي باءت بالفشل وثورة فبراير مثالا، ليدفعك للتساؤل هل مفهوم المصالحة الوطنية كخطاب مفرغ هو مشروع جار الله عمر؟!  
لست هنا لأتحدث عن الرجل بشخصه ولا حتى بمشروعه، فمساعيه واضحة وما أنجزه لا استطيع الحكم عليه وفقا لمتغيرات لم أعهدها، بل لا أنكر إعجابي بالرجل ومحبته وأدرك أن هذا الشيء لن يصنع فارقا لمن يحاول النظر للموضوع من زاوية ضيقة، غير أن التشدق تحت مظلة الرجل وبناء رمزية عاطفية تصبح مادة خام للخطابات السياسية تستخدمها قيادات مفلسة سياسيا أمرا لا يمكن أن يتقبله عاقل، بل ما يمكن أن يقيم جار الله عمر هو مشروع جار الله عمر الذي دفن معه ليتحول لمرثيات شعرية ونثرية على صفحات ومواقع إعلامية مختلفة.  
ليبقى السؤال العالق بالذاكرة،  لماذا لم تستكمل رؤية ومشروع جار الله عمر إن وجد؟! وإن تعذر لماذا لا توجد قيادة لديها جرأة وشجاعة جار الله عمر لتتحمل تبعات الأمر وتواصل مهما كانت التحديات؟ وأين مسودة وآلية مشروع ورؤية جار الله عمر؟!  

ختاما: الرحمة والخلود لروح الشهيد جار الله عمر ولا عزاء للمتشدقين باسمه في أي طرف أو أي حزب.

  • مــن نحــن

    موقع اخباري يمني يسلط الاضواء على الاخبار والاحداث اليمنية ، وكذا الاحداث العربية والدولية ، كما يسعى موقع الوفاق نيوز إلى تقديم الحقيقة لزوار الموقع كما هي لا كما يريدها الأخرون

  • تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي